الشيخ مرتضى الحائري

77

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام

السببيّة منحلّة إلى أمور ثلاث ، ففي المثال هي الحرمة ، وكونها عند الغليان ، واستناد الحرمة إليه ؛ بخلاف الحرمة عند الغليان ، فإنّها ليست إلّا أمران : الحرمة وكونها عند الغليان . والأوّل يرفع الشكّ عن الآخر بخلاف العكس ، فتأمّل . ورابعاً : أنّ ما ذكره من جريان الاستصحابين في غير المتأصّل في الجعل فهو غير مطّرد ، فإنّه قد تقدّم أنّ منها ما لا يكون بينه وبين منشأ انتزاعه فرقٌ إلّا بالإجمال والتفصيل كالجزئيّة للمأمور به ، فليس في البين هنا أمران كما في الإنسان والحيوان الناطق في التكوينيّات ، فإنّه لا يجري تارةً استصحاب الإنسانيّة وأخرى استصحاب الحيوانيّة والناطقيّة . وخامساً : في ما يكون أمران كاستصحاب عدم وجوب السورة - مثلًا - واستصحاب الصحّة بعد الركوع وعدمِ الإتيان فإنّ الثاني وإن كان مسبّباً عن الأوّل إلّا أنّه ليس بحيث يغني دائماً عنه ، إذ قد يقع التعارض بينه وبين أمر آخر ، كما لو علم إجمالًا إمّا بوجوب السورة في الصلاة أو بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال فيعارضان ، فيرجع إلى استصحاب الصحّة في الصلاة . ثمّ لا يخفى أنّه قد ذهب المحقّق الأصفهانيّ في تعليقته على الكفاية بعدم جريان استصحاب الشرطيّة لإثبات التكليف ولو بناءً على مجعوليّتها ، فإنّ التكليف مترتّب على ذات الشرط ، كيف ! وهي مجعولة بتبع جعل التكليف فكيف يعقل أن يكون التعبّد بها تعبّداً بما يترتّب عليه ! « 1 » وفيه : أنّ المستصحب في الشرطيّة والسببيّة ليس الشرطيّةَ للتكليف المطلق ، بل الشرطيّة للتكليف الخاصّ ، فليس مفادها حقيقةً إلّا وجود التكليف عند تحقّق الشرط مع فرض سائر ما له الدخل فيه مستنداً إلى ذلك ، فالتكليف بنفسه مُنطوٍ في استصحاب الشرطيّة والسببيّة ، ولا يحتاج إلى أن يثبت بعد الاستصحاب حتّى يكون

--> ( 1 ) نهاية الدراية : ج 5 و 6 ص 124 .